ابن الأثير

116

أسد الغابة ( دار الفكر )

وحملها شرحبيل ابن حسنة إلى المدينة . وقد قيل : إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم تزوّجها وهي بالمدينة . روى مسلم بن الحجاج في صحيحه : أن أبا سفيان طلب من النبي صلّى اللَّه عليه وسلم أن يتزوجها فأجابه إلى ذلك [ ( 1 ) ] . وهذا مما يعدّ من أوهام مسلم ؛ لأن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم كان قد تزوّجها وهي بالحبشة قبل إسلام أبي سفيان ، لم يختلف أهل السّير في ذلك . ولما جاء أبو سفيان إلى المدينة قبل الفتح ، لما أوقعت قريش بخزاعة ، ونقضوا عهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، فخاف ، فجاء إلى المدينة ليجدّد العهد ، فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلم تتركه يجلس على فراش رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وقالت : أنت مشرك . وقال قتادة : لما عادت من الحبشة مهاجرة إلى المدينة خطبها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، فتزوّجها . وكذلك روى الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب . وروى معمر ، عن الزهري : أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم تزوّجها وهي بالحبشة . وهو أصح . ولما بلغ الخبر إلى أبي سفيان أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم نكح أم حبيبة ابنته قال : « ذلك الفحل ، لا يقدع أنفه [ ( 2 ) ] ! » . وتزوّجها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم سنة ست ، وتوفيت سنة أربع وأربعين . وقيل : إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أرسل عمرو بن أمية الضّمرىّ إلى النجاشي يخطب أم حبيبة ، فزوّجها إياه [ ( 3 ) ] . وروى الزبير بن بكار قال : حدثني محمد بن الحسن ، عن عبد اللَّه بن عمرو بن زهير ، عن إسماعيل بن عمرو : أن أم حبيبة قالت : ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشي جارية ، فاستأذنت فأذنت لها ، فقالت : إن الملك يقول لك : إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم كتب إليّ أن أزوّجكيه ، فقلت : بشرك اللَّه بخير . فقالت : يقول الملك : وكلى من يزوّجك . فأرسلت إلى خالد بن سعيد ، فوكلته ، فأمر النجاشىّ جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين يحضرون وخطب النجاشىّ وقال : « إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم كتب إليّ أن أزوّجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، وزوجته أمّ حبيبة ، فبارك اللَّه لرسوله » . ودفع النجاشي الدنانير إلى خالد [ ( 4 ) ] .

--> [ ( 1 ) ] مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب « من فضائل أبي سفيان بن حرب رضى اللَّه عنه : 7 / 171 . [ ( 2 ) ] أي : إنه كف ، كريم لا يرد . ويروى : « لا يقرع » ، بالراء . انظر النهاية لابن الأثير ، وطبقات ابن سعد : 8 / 70 . [ ( 3 ) ] طبقات ابن سعد : 8 / 70 . [ ( 4 ) ] أخرجه ابن سعد من طريق عبد اللَّه بن عمرو بن زهير ، انظر الطبقات : 8 / 68 - 69 .